بقلم: عبدالله فؤاد علي آل قريش
هناك صفات يكتسبها الإنسان مع مرور الوقت، وصفات أخرى تتجذر في النفوس حتى تصبح جزءًا من هوية الأسرة وتاريخها. ومن أكثر الصفات التي أراها حاضرة في عائلتنا جيلاً بعد جيل صفة الكرم، تلك الصفة التي ارتبطت في أذهاننا باسم جدنا الغالي علي حبيب آل قريش “أبو عادل” رحمه الله.
فعندما أتأمل أبناء وبنات العم اليوم، وأشاهد مواقف العطاء وإكرام الضيف والحرص على إسعاد الآخرين في المناسبات الكبيرة والصغيرة، أجد نفسي أعود دائمًا إلى الجذور الأولى لهذا الإرث، إلى الرجل الذي غرس هذه القيم في أسرته بأفعاله قبل أقواله.
لم يكن الكرم مرحلة في حياة جدي رحمه الله، بل كان أسلوب حياة لازمه حتى عُرف به بين الناس. وما أرويه هنا ليس سوى ما شهدته بنفسي في سنوات طفولتي، أما من عرفوه قبلي فيتحدثون عن كرمٍ أقدم وأوسع امتد أثره لعقود طويلة من حياته.
ومن الصور التي ما زالت عالقة في ذاكرتي في صغري في الثمانينات أنني كنت أراه يحمل الخرفان بنفسه في سيارته الإمبالا، ثم لاحقًا في الكابرس البوكس، ليجهزها لإكرام الضيوف. لم يكن يعتبر الضيافة واجبًا اجتماعيًا فحسب، بل كان يراها قيمة إنسانية أصيلة يحرص على تطبيقها بكل محبة واهتمام.
كما عُرف رحمه الله بالمآدب واللقاءات التي كان يقيمها بشكل متكرر، حتى أصبحت جزءًا من برنامجه المعتاد. فمنها مأدبات لرفاقه في حملات الحج والعمرة، ومنها لقاءات لقدامى أرامكو وغيرهم من الأصدقاء والمعارف. وكانت تلك المناسبات تمثل حدثًا مهمًا للأسرة كلها، حيث تتحول إلى ورشة عمل جماعية يشارك فيها الجميع بحب وفرح.
أتذكر كيف كانت عماتي ووالدتي وزوجات أعمامي يتسابقن لإعداد الأطباق المتنوعة، ليس فقط لإعداد الطعام، بل للمشاركة في رسالة الكرم التي كان يحملها أبو عادل رحمه الله. كان الجميع يشعر أن إكرام الضيف مسؤولية مشتركة وشرف يعتزون به.
ولعل ما كان يميز جدي أكثر من كثرة العطاء هو روحه الكريمة. فقد كان يقدم غيره على نفسه، ويحرص أن ينال الضيف أفضل ما لديه قبل أن يفكر في نفسه. كان كريمًا في وقته، وكريمًا في حضوره، وكريمًا في مشاعره، ولذلك لم يكن الناس يحبونه لما يقدمه فقط، بل لما كان يمثله من أخلاق وإنسانية وصدق.
وإذا كان الكرم يُقاس بما يُقدَّم للضيف، فإن جدي رحمه الله كان يرى أن للكرم صورًا أخرى لا تقل أهمية، ومنها الوقوف مع الأقارب ومساندة المحتاج وتعزيز التكافل بين أفراد الأسرة. ولذلك كان من المؤسسين للصندوق العائلي الذي ما زال قائمًا منذ أكثر من أربعين عامًا، ليبقى شاهدًا على روح العطاء التي حملها ذلك الجيل المبارك.
ورغم مرور السنوات على رحيله، إلا أن أثره ما زال حاضرًا بيننا. فبعض أبنائه وحتى احفاده لديهم مجالس عامرة تستقبل الضيوف بشكل مستمر، وآخرون عُرفوا بحب العطاء وإكرام الضيف وصلة الرحم والحرص على إسعاد من حولهم. وما نراه اليوم من مواقف الكرم بين أفراد العائلة ليس إلا امتدادًا لذلك الغرس الطيب الذي زرعه أبو عادل رحمه الله في نفوس أبنائه وأحفاده.
إن أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله ليس المال ولا الممتلكات، بل القيم التي تبقى حية فيمن بعده. وجدي علي حبيب آل قريش رحمه الله ترك إرثًا لا يقدر بثمن؛ إرث الكرم، وحب الناس، وإكرام الضيف، وتقديم الآخرين على النفس. وما زلنا نرى ثمار ذلك الإرث في بيوتنا ومجالسنا وعلاقاتنا حتى اليوم.
وأنا، عبدالله فؤاد علي حبيب آل قريش، أحد أحفاده الذين تشرفوا بمعاصرته ورؤية جانب من حياته، أكتب هذه الكلمات ليس لأحصي مآثره، فذلك أكبر من أن يختصر في مقال، وإنما لأوثق بعض ما رأيته من أثره الطيب الذي ما زال حاضرًا في أسرته بعد سنوات طويلة من رحيله. فرحم الله أبا عادل رحمة واسعة، وجزاه عنا خير الجزاء، وجعل ما غرسه من قيمٍ وأخلاقٍ وعطاءٍ في ميزان حسناته، فما زالت سيرته الطيبة حاضرة في القلوب، وما زال أثره ممتدًا في الأجيال من بعده.
رحم الله أبا عادل علي حبيب آل قريش رحمة واسعة، وجزاه عنا خير الجزاء، وغفر له وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدّمه من كرمٍ وعطاءٍ وإحسانٍ في ميزان حسناته.
اللهم اجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وأنزل عليه السكينة والرحمة، وبارك في ذريته وأحفاده، وأدم فيهم هذا الأثر الطيب الذي غرسه فيهم، واجعل ما تركه من قيمٍ خالدةً شاهدةً له لا عليه.
الفاتحة لروحه الطيبة 🤍